عبد الرحمن السهيلي

145

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

مقام يده ، كما قال صلى الله عليه وسلم في الحجر الأسود : هو يمين الله في الأرض ، أقامه في المصافحة والتقبيل مقام يمين الملك الذي يصافح بها ، لأن الحاج وافد على الملك الأعلى وزائر بيته ، فجعل تقبيله الحجر مصافحةً له ، وكما جعلت يمين السائل الآخذ للصدقة المتقبلة يمين الرحمن سبحانه ترغيباً في الصدقة ، وتبشيراً بقبولها ، وتعظيماً لحرمة من أعطيت له ، فإنما أعطاها المتصدق لله سبحانه ، وإياه سبحانه أقرض ، فقال سبحانه وتعالى : « ويأخُذُ الصَّدَقاتِ » التوبة وقال صلى الله عليه وسلم : إنما يضعها في كف الرحمن يربيها له الحديث . شعر عباس الكافي وقول عباس في الشعر الكافي : إن الإله بنى عليك محبّةً * في خلقه ومحمّداً سمّاكا معنى دقيق وغرض نبيل وتفطن لحكمة نبوية قد بيناها في غير موضع من هذا الكتاب وغيره في تسمية الله تعالى لنبيه محمداً وأحمد ، وأنه اسم لم يكن لأحد من قومه قبله ، وأن أمه أمرت في المنام أن تسميه محمداً ، فوافق معنى الاسم صفة المسمى به موافقةً تامةً قد بينا شرحها هنالك ، ولذلك قال : بنى عليك محبةً ، لأن البناء تركيب على أس ، فأسس له سبحانه مقدمات لنبوته منها : تسميته بمحمد قبل أن يولد ثم لم يزل يدرجه في محامد الأخلاق وما تحبه القلوب من الشيم ، حتى بلغ إلى أعلى المحامد مرتبةً ، وتكاملت له المحبة من الخالق والخليقة ، وظهر معنى اسمه فيه على الحقيقة ، فهو اللبنة التي استتم بها البناء ، كما أخبر عليه السلام ، وهذا كله معنى بيت عباس ، حيث قال : إن الإله بنى عليك ، البيت . الداماء والدأماء وقوله : في العينية الأخرى يصف الخيل : أو هي مقارعة الأعادي دمّها يريد شحمها ، يقال : أدمم قدرك بودك ، ودممت الشيء : طليته ، ومنه : الداماء أحد جحرة اليربوع ، لأنه يدم بقشر رقيق من الأرض ، فلا يراه الصائد ، فإذا طلب من القاصعاء أو الراهطاء أو النافقاء أو العانقاء ، وهي الأبواب الأخر نطح برأسه باب الداماء فخرقه ، وأما الدأماء بالتخفيف ، فهو البحر وهو فعلاء ، لأنه يهمز فيقال : دأماء ، قاله أبو عبيد . وذكر شعر عباس الفاوي ، وفيه : * بعاقبةٍ واستبدلت نيّةً خلفاً * النية : من النوى وهو البعد . وخلفاً يجوز أن يكون مفعولاً من أجله أي : فعلت ذلك من أجل الخلف ، ويجوز أن يكون مصدراً مؤكداً للاستبدال ، لأن استبدالها به خلف منها لما وعدته به ، ويقوي هذا البيت البيت الذي بعده : * وقد حلفت باللّه لا تقطع القوى * يعني : قوى الحبل ، والحبل هنا : هو العهد ، ثم قال : فما صدقت فيه ، ولا برّت الحلفا وهذا هو الخلف المتقدم ذكره . وقوله : * وفينا ولم يستوفها معشرٌ ألفا * أي : وفينا ولم يستوفها غيرنا ، أي : لم يستوف هذه العدة غيرنا من القبائل . وقوله : * إذا هي جالت في مراودها عزفا * يجوز أن يكون جمع مرود وهو الوتد ، كما قال الآخر يصف طعنةً : ومستنّةٍ كاستنان الخرو * ف قد قطع الحبل بالمرود والخروف ها هنا في قول بعضهم : المهر ، وقال آخرون : والفرس يسمى خروفاً ، ومعناه عندي في هذا البيت أنها صفة من خرفت الثمرة إذا جنيتها فالفرس خروف للشجر والنبات ، لا نقول : إن الفرس يسمى خروفاً في عرف اللغة ، ولكن خروف في معنى أكول ، لأنه يخرف ، أي : يأكل ، فهو صفة لكل من فعل ذلك الفعل من الدواب ، ويجوز